في زقاق مطلّ على الشاطئ بالمدينة القديمة لأصيلة يعرضُ فنان تشكيلي لوحاته في الهواء الطلق، بجواره فنانون تشكيليون آخرون، لكنّ يظل متميّزا بيْنهم، ويُلفت أنظار المارّة، ليس فقط لكونه فنانا عصاميا، بلْ لأنه كانَ يشتغل في سِلْك الأمن، قبل أن يتقاعد سنة 2010.
على جدار البيت الذي يعرض أمامه عبد العزيز حصري لوحاته الفنّية في المدينة القديمة لأصيلة، علّق شواهدَ تقديرية حصل عليها من طرف المديرية العامّة للأمن الوطني، تهنّئه من خلالها على المعارض التي أقامها، وآخرها معرضٌ بالمعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة يوم 16 ماي الماضي.
وُلدَ عبد العزيز حصري بمدينة مكناس سنة 1949، واشتغل في مجال المسح الطوبوغرافي مع شركات فرنسية لمدّة ثلاث سنوات. وفي سنة 1973 اجتاز مباراة الالتحاق بسلْك الأمن الوطني، وانطلق مشواره على درب الفنّ التشكيلي سنة 2000، إلا أن اشتغاله بسلْك الأمن لم يسمح له بإطلاق العنان لموهبته.
لكنّ ذلك لم يمنعه من تنظيم معارضَ لعرْض لوحاته الفنيّة، وتأطير ورشات للرسم في إطار المخيّمات التي تنظمها المديرية العامة للأمن الوطني. وفي سنة 2010 حصل على التقاعد النسبي من سلْك الأمن الوطني، بعد 37 سنة من الخدمة، وحصلتْ ريشتهُ على حريّة أكبر.
لمْ يتعلّم عبد الحق حصري قواعد الفنّ التشكيلي في معهد للفنون الجميلة، بلْ علّم نفسه بنفسه، مستثمرا موهبة ترعرعتْ معه منذ صِبَاه، وكانت "مدفونة"، كما يقول، بعد التحاقه بسلْك الأمن الوطني عام 1973، قبْل أن تتفجّر في سنة 2000.
قد يستغربُ البعض كيْف لجهاز الأمن، أنْ ينجب فنانا تشكيليا مرهف الأحاسيس، لكنْ بالنسبة لحصري فهذا ليس مستغرَبا، "فهناك في جهاز الأمن مثقفون، وكتّاب، ومواهب شتّى"، ويضيف متحدثا عن نفسه: "أنا لا أرسم فقط، بل لديّ مواهبُ أخرى، فقد كنتُ أنظم قصائدَ شعريّة عن فلسطين، لكنَّ هذه المواهب كانتْ متوارية، لأنّ مهنتي لم تكن تسمح بإبرازها".
وإذا كانَ عبد الحق حصري يفتخر بمساره على درب الفنّ التشكيلي، فإنَّه يشتكي، في المقابل، من عدم إيلاء وزارة الثقافة أيّ اهتمام بالفنانين التشكيليين العصاميين، والذين لا يتوفرون على أيّ بطائق، ولا تتوفّر لهم فضاءات خاصّة لعرْض أعمالهم، كما أنه لا توجد هيئة تمثلهم.
"يجب على وزارة الثقافة أن تعترف بنا، وتمنحنا بطائق، فنحنُ أيْضا فنانون، وإنْ كنّا عصاميين"، يقول حصري لهسبريس، مضيفا أنَّ الفنانين التشكيليين العصاميين بحاجة إلى إتاحة الفرصة لهم للالتقاء بأساتذة الفنّ التشكيلي لتقييم أعمالهم، "فكما يُقال، يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر"، يقول المتحدث.
وبالنسبة إلى الوضع في مدينة أصيلة، قالَ حصري إنَّ المدينة الصغيرة النائمة على ضفّة المتوسط تشهد رواجا ثقافيا وفنيا لا بأس به أيّام منتداها الثقافي الدولي، بفضل انتعاش الحركة السياحية، وحضور كتاب ومثقفين لأنشطة المنتدى، "لكنْ في غير أيام الموسم الثقافي تعيش المدينة في ركود ونوْم تامّ".

0 commentaires:
إرسال تعليق