سناء العاجي: من قال إن الحب مهم؟


اغتصبها خطيبها الذي كانت تحب. كان يمكنها، ربما، أن تمارس معه الجنس برضاها. لكنه، في لحظة وحشية، ارتمى عليها بعنف واغتصبها. تدخلت العائلتان “لإصلاح الخطأ”: لمداراة الفضيحة، يستحسن أن يتزوجا وأن تغمض هي العين عن هذا “الخطأ”. حتى حين يكون هذا الخطأ الذي يعتبره الآخرون عابرا، ترجمة لأشياء بشعة في إنسان كان يفترض أن نقضي معه بقية حياتنا. كيف يمكننا تخيل حياة مشتركة بين الطرفين؟ لكن المطلوب كان هو مداراة الفضيحة… حتى لو كان الثمن أن تقضي الشابة حياتها مع شخص لا تطيقه!
هذه الواقعة توجد ضمن أحداث فيلم “هيبتا” للمخرجين هادي الباجوري ومحمود زهران. فيلم فلسفي عميق عن العلاقات الإنسانية والحب وتدبير الانتظارت والإحباطات والتوقعات داخل العلاقات الإنسانية. فيلم بسيط وعميق جدا في الآن نفسه.
لكن هذه ليست مجرد قصة خرجت من خيال سيناريست مبدع. كل من يتأمل الواقع حوله بموضوعية يعلم أن الحياة حبلى بوقائع كهذه. أشخاص ينقطع حبل التواصل العاطفي والإنساني بينهم وبين شركائهم، لكن المجتمع يرفض لهم حقهم في الانفصال ومتابعة حياة مختلفة. مجتمع يطلب منك أن تنتمي لمنظومة اجتماعية معترف بها، حتى لو كنت داخليا تراكم الإحباطات الإنسانية والعاطفية. كم من الأمثلة حولنا؟
نادية اختارت الطلاق بعد حوالي عشرين سنة من الزواج، حين قررت أن تعترف بحقيقة رفضت أن تستوعبها منذ زمن: أن علاقتها بزوجها لا تحقق لها الإشباع العاطفي والفكري والإنساني الذي تحتاجه. قررت الانفصال لتكتشف أن الأصعب ليس هو تدبير الإحباطات العاطفية المرتبطة بطلاق يأتي بعد سنوات طويلة من الحياة المشتركة وبقايا حب سابق؛ بل الأصعب هو الأصدقاء حولك، وضمنهم المتعلم و”الحداثي”، والذين يعتبرون أنك “يلا صبرتي 20 عام غير كمّل على صبرك” و”كيف يعقل أن تفكر في الطلاق في سنك؟”، وهلما خنقا للمشاعر. هل ندرك قدر الشجاعة التي يطلبها منا قرار هذا: أن نقتنع بحقيقة نقضي أحيانا سنوات طويلة في مماطلتها: حقيقة أننا تعساء؛ ثم في لحظة، نستجمع كل شجاعتنا ونقرر أن نضع حدا لأسباب تعاستنا؟ نقرر أن نكون سعداء خلال السنوات الباقية من العمر، مهما كان عددها. أن نعيش خالين من كل ارتباط، على أن نعيش في علاقة ترضي الآخرين، لكنها لا تحقق لنا الإشباع النفسي والعاطفي. لكن المجتمع لا يطلب منك أن تكون سعيدا، خصوصا حين تستوجب سعادتك مساءلة مسلماته. هو يطلب منك أن تحافظ على مظاهر هذه العلاقة مهما كانت مشاعرك… أو لعله يخاف من شجاعتك أن تبرز أمامه حجم الفجوة التي يعيش فيها.
بشرى، التي لا تطيق الحياة المشتركة مع زوجها، تواجه رفض والدتها المُطْلق لفكرة الطلاق: مادام الزوج لا يضربها، يعود لبيته مساء ويوفر لها الظروف المادية المناسبة لعيشة جيدة، فمن غير المقبول بتاتا أن تفكر في الطلاق لأسباب تافهة كالحب والمشاعر.
من ناحيتها، تعيش إيمان مرحلة انفصال صعبة بينها وبين زوجها. لكنها وجدت نفسها أمام صديقات يشرحن لها كيف أنهن عشن سابقا الخيانة ومحاولات الانفصال، لكنهن بقين متشبتات بأزواجهن وأن عليها أن تفعل نفس الشيء. نصائح تقول لها بأن تضحي بمشاعرها وأن يدفن الزوج مشاعره؛ أن يخنقا إحباطاتهما، فقط لكي يحافظا على الزواج ومظاهره. باختصار، أن تقتل نفسك لكي تعيش الأسرة.
بالفعل، تعاني المرأة أكثر من الرجل من الضغط الاجتماعي المتعلق بالزواج والأسرة والطلاق، لكن الأخير لم يتحرر منه بشكل مطلق. كم رجلا يعشق امرأة ويرتاح بحضورها، لكنه يتركها لأن أسرته أو محيطه لن يقبل بها: لأنها مطلقة، لأنها تدخن، لأنها متحررة بشكل يناسبه هو لكنه لن يناسب أسرته، إلخ. يتركها ويتزوج امرأة “مناسبة”. امرأة تستجيب لدفتر تحملات الزوجة الجيدة. يتزوجها ويقتسم معها حياة يومية باردة فاترة. وفي النهاية، يشتكي معتبرا الزواج سجنا ومصدر تعاسة؛ في حين أنه هو من وضع نفسه في سجن القيود الاجتماعية… وقد يحدث أن ينصرف بحثا عن الحب والانسجام في آفاق أخرى موازية، معتقدا أن المشكل في الزواج أو في زوجته، في حين أن المشكل كان في اختياره الأصلي لأسلوب العيش والارتباط.
هل تعرف معنى أن تعيش تحت سقف بيت واحد، وأن يجمعك ليلا سرير واحد، مع شخص لا تشعر بالأمان في حضنه؛ شخص لا تستمتع بالحديث إليه في المواضيع المهمة، لكن أيضا في التفاصيل الصغيرة والتافهة؛ شخص لا تشتاق لحضنه وجسده؛ شخص لا تشعر بحرصك وحرصه على المصالحة وقت الخصام؛ شخص لا تشعر بالانتماء إليه؛ شخص لا تشعر بالحاجة لتجاوز الأزمات التي تعترضكما بأقل الخسائر العاطفية والإنسانية، لأنك حريص عليه؟ لكن من قال إن كل هذا مهم؟ المهم أن تنتميا معا لمنظومة مجتمعية متفق عليها…
باختصار، هي مشكلة الفرد والجماعة في أقسى وأعنف تجلياتها: مشاعر الفرد وتفاصيلها الأكثر حميمية يجب أن تُدفن أو على الأقل أن يتم تجاهلها، من أجل الحفاظ على مؤسسات اجتماعية يجب أن تخضع بدورها لمنظومة معينة.
سناء العاجي
نشر المقال على GOOGLE+

About Unknown

0 commentaires:

إرسال تعليق